أضف الى المفضلة RSS خدمة اجعلنا صفحة البداية

بحث متقدم

المقالات والآراء المنشورة تعبر عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
نحو تفكيك عقد المصالحة!!- د. غازي حمد
نشر الثلاثـاء 03/01/2012 (آخر تحديث) 04/01/2012 الساعة 13:35
مرت نحو خمس سنوات على الانقسام , ومرت سنوات وأشهر على توقيع اتفاق المصالحة , وتعددت الاجتماعات واللقاءات, وكبر الأمل مع كل لقاء, وتراوحت مشاعر الناس بين التفاؤل والإحباط وطرح الأسئلة المستدامة ( هل تنجح المصالحة هذه المرة؟).

والحقيقة أن مشوار المصالحة طال اكثر من اللازم بالرغم من التقدم "السلحفائي" من وقت لآخر , مما يستلزم ضخ مزيد من الوقود في عربة المصالحة وعدم الاكتفاء بتقدم بسيط هنا او هناك . إن الحالة الفلسطينية بما تعانيه من تمدد للاستيطان وتهويد متسارع في القدس , فضلا عن الرغبة في استثمار الربيع العربي لصالح القضية الفلسطينية تستلزم أن تضع عربة المصالحة على السكة وأن تتحرك بسرعة أكبر,بمعنى آخر لابد من" قرارات" حاسمة و تنفيذ ملموس بدلا من كثرة الاجتماعات واللقاءات واللجان.

(1) الخروج من المربع النظري الى المربع العملي
نحن لازلنا حتى هذه اللحظة في المربع النظري للمصالحة ولم نتعداها الى الخطوات العملية والتنفيذية التي تشعر المواطن بأن هناك تغييرا جذريا وان هناك شيئا ما يتحرك.

رغم قناعاتي التي لمستها من خلال تواصلي مع مختلف الأطراف- بأن هناك جدية لتحقيق المصالحة والخروج من دائرة الانقسام , الا أنني لمست كذلك أن هناك مشكلة كبيرة في نقطتين مهمتين : أولاهما: ادارة الحوار بطريقة مهنية تكفل وجود حالة استمرارية وتواصل ومتابعة مثابرة على مدى الأربع والعشرين ساعة , وثانيهما : عدم الدخول الى القضايا الجوهرية التي تشكل قاعدة لكل القضايا المختلف عليها , واقصد هنا البرنامج السياسي والرؤية الإستراتيجية لمعالجة الصراع مع الاحتلال.

فيما يخص النقطة الأولى , :فان إحدى المشاكل التي واجهت جولات الحوار هو الانقطاع وعدم التواصل وعدم متابعة ما تم الاتفاق عليه ,كذلك التنظيم الجيد لكل جولة بما تشتمل من إعداد أوراق وجداول أعمال وتنظيم أوقات اللقاء وتوثيق كل المحاضر والمتابعة المستمرة لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه , وغيرها من المقومات اللازمة كي تستمر عجلة المصالحة بدون توقف.

لقد سبق أن اقترحت وجود لجنة "سكرتارية" من شخصيات وطنية مهمتها تنظيم وإدارة ومتابعة نتائج الحوار بشكل مهني يضمن استمرار وتنفيذ المصالحة بدلا من الاجتماعات المتفرقة وغير المنتظمة والتي تتعطل أحيانا تحت أتفه الاسباب. وهنا يمكن أن نخرج بفائدتين مهمتين من:
أ‌- نقل الحوار من مربع الحوار الثنائي الى مربع الحوار الوطني الشامل وإخراجه من أي مؤثرات سلبية من أي جهة كانت
ب‌- الإعداد الجيد والتنظيم والترتيب العملي لجولات المصالحة بما يضمن استمرارها وتواصل أدائها بدون انقطاع.

إن انقطاع الحوار من وقت لآخر او تعطله بسبب ظروف ميدانية او موضوعية يسهم في تراكم مزيد من المشاكل والتعقيدات , أما في حال وجود عملية مثابرة ومستدامة – بدون انقطاع- فإنها كفيلة بتمهيد الطريق امام إزالة كافة الألغام المدفونة في طريق المصالحة . على سبيل المثال : هناك اقتراح بتشكيل حكومة قريبا لكن هذه الحكومة ستواجه مشكلة الموظفين "المستنكفين" الذين يربو عددهم على خمسين ألف موظف وسيعتقدون انه بمجرد تشكيل الحكومة سيعودون الى مناصبهم ومواقعهم السابقة مما يضع الحكومة الجديدة امام تحد كبير قد لا تحتمله . كان بالإمكان مثلا تشكيل لجنة لوضع حلول وبدائل وتجهيزها خلال السنوات التي ضاعت سدى , وقس على ذلك موضوع المصالحة المجتمعية وغيرها من القضايا التي كان بالإمكان لو عملنا بشكل مثابر ان ننتهي منها , على الأقل نظريا . ان الوقت ليس في صالحنا , وليس من الحكمة إضاعة دقيقة واحدة.

إنني لازلت أخشى من "المفاجآت " التي دائما تصدمنا في منتصف – أو أول- الطريق فتقلب العربة رأسا على عقب وتعيدنا الى مربع الصفر وفغر الأفواه !! بمعنى بسيط , المصالحة "طبخة" يجب أن "تستوي" حتى نستطيع أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا , ونعلم أن القوم قد صدقونا ونكون عليها من الشاهدين !!

(2) الحكومة مهمة لكن ليست المفتاح
إحدى سقطاتنا في جولات الحوار أننا أحيانا ننشغل بقضايا "مهمة" لكن ليست هي المفتاح , فمثلا موضوع الحكومة مهم لكن ليس أهم من وحدة البرنامج السياسي الذي يشكل عصب القضية الفلسطينية . اذا كنا على قناعة بأننا تحت الاحتلال وان سيادتنا منقوصة فان الحكومة – رغم أهميتها - يمكن تشكيلها من شخصيات ذات خبرة تقوم على توفير مقومات الحياة الكريمة وليس بالضرورة أن تكون محل تنازع بين حماس وفتح . حماس وفتح والقوى الاخرى يجب أن تتفرغ للقضية الكبرى والاهم والأخطر , قضية التحرير , أما الحكومة فيمكن ان يقوم بها مجموعة من الخبراء القادرين على النهوض في مجالات الصحة والتعليم والزراعة والأمن وغيرها. صحيح أن الحكومة ستشكل عنوانا مهما لإنهاء الانقسام وتوحيد السلطة لكن ان لم تكن مدعومة بقوة البرنامج السياسي "الوطني" وبثقافة التعايش -التي لا تزال غائبة- فستسقط تحت الضربة الأولى .ان الأوضاع الميدانية بما تحمله من ثقافة غير تسامحية ومن ممارسات معاكسة لروح المصالحة كفيلة بأن تقوض أسس المصالحة . المصالحة المجتمعية ليست مجرد لجنة او اجتماعات بقدر ما هي حركة دائبة لاجتثاث المفاهيم الضيقة والمغلوطة ونزع الشكوك والشوائب ونشر مفاهيم التعايش ونزع الألغام المدفونة والتخلص من آفات الماضي .هذه مهمة كبيرة وعظيمة أن ننقل المجتمع الفلسطيني من دوائر الشك والاقصاء والتناقض الى دوائر تجمعنا في بوتقة الوطن وتزرع بيننا معاني الحب والتآلف والتكامل.

(3) ازمة الثقة الحاضرة الغائبة
إشكالية غياب الثقة بين حركتي حماس وفتح استحكمت طوال السنوات الماضية وتسببت في خلق فجوة كبيرة وفي إطالة أمد المصالحة , ووضعت أسئلة كثيرة حول كل بند من البنود. وبالرغم من اللقاءات الدافئة التي تجمع قيادات الطرفين الا أن مستوى الثقة المنخفض على المستوى القاعدي والميداني لم يجعل ثقافة المصالحة تتسلل الى عمق الصفوف الفتحاوية والحمساوية ( ومن هنا يكثر الحديث عن "تيارات" لا تريد المصالحة ") ومن هنا –أيضا- تكثر التخوفات من ان تأتي الضربة من "تحت الحزام " ,كما حصل بعد اتفاق مكة . إن الممارسات الميدانية في الضفة وبعض التصريحات الإعلامية في غزة خلقت كثيرا من الشكوك حول جدية المصالحة وإمكانية نجاحها.ان استمرار غياب الثقة بين الطرفين كارثة كبيرة , وهي ان استمرت على هذا النحو فإنها كفيلة بإفشال الى مسعى للمصالحة حتى لو جرى توقيعها او البدء في تنفيذها.

إن كلا الحركتين بحاجة الى مساع جادة في خلق ثقافة تسامحية وأجواء مغايرة تماما لما درجتا عليه طوال السنوات من مناكفة وتراشق إعلامي . فتح بحاجة الى قرارات جريئة وحاسمة بوقف ممارسات الأجهزة الامنية في الضفة وبحاجة الى طرح –ومواجهة- التخوفات من ضغوط أمريكية وتهديدات إسرائيلية ,وحماس بحاجة لان تكون على ثقة اكبر من التشككات والتخوفات التي تطرحها في تصريحاتها او مجالسها , فحماس تجاوزت مسألة الخوف من الاجتثاث او الالتفاف عليها ,كما أن عليها ضبط تصريحاتها الإعلامية لتكون متناغمة مع روح المصالحة.

(4) الرئيس عباس وسياسة حذر مبالغ فيها
يحاول الرئيس عباس أن يضع المصالحة ضمن موازين وحسابات دولية معينة , لذلك فهو يتحرك "بحذر" شديد , خصوصا في مسألة تشكيل الحكومة وإعادة تركيب منظمة التحرير . إن الرئيس أبو مازن يدرك أن هنالك ضغوطا أمريكية وتهديدات اسرائلية ضده ,لكن أعتقد أن حذر الرئيس فيه شيء من المبالغة , إذ ثبت لديه أن الأمريكان لن يدعموا موقفه في المسار السياسي في مواجهة اسرائيل ,وثبت له ايضا أن نتنياهو مخادع كذاب قد أغلق باب مسيرة السلام وقذف المفتاح في البحر !!,فلماذا الانتظار لشيء غير مأمول , خصوصا وان الرئيس قد تحدى كلا الطرفين بشجاعة سواء في الذهاب للام المتحدة واليونسكو أو في وقف المفاوضات , فلماذا إذن التباطؤ في دفع مسيرة المصالحة بقوة خصوصا وأنها ستشكل قوة اضافية للحالة الفلسطينية برمتها ولن يخسر الرئيس كثيرا اذا جازف ووضع القطار على السكة .بمقدرته تحمل الضغوط والتهديد اذا وجد ان الكل الفلسطيني يقف الى جانبه ويدعمه , وبمقدرته صنع تحد آخر في وضع نهاية التراجيديا الفلسطينية "الانقسام".

باختصار , المصالحة يجب ان تتحول الى فعل جدي وملموس وحقيقي .كثرة الاجتماعات واللقاءات واللجان لا تغني عن ممارسة صداقة وحقيقية .
المصالحة ليست قابلة للقسمة السياسية أو الوظيفية , وليست نصرا لأحد على احد,وليست "خوفا" لسحب الامتيازات والمكاسب , بل هي بوابة لمسارصحيح , وتصحيح لأخطاء وتجارب متعثرة , وتفتيح للعيون والعقول على ثقافة جديدة وعلى ضوء جديد.
الطباعة ارسل الى صديق
.:: التـعـليـقـات غـيـر مـفـعـلـة ::.

Share/Bookmark

آليات خصومات الراتب وعلاوة القيادة عن الموظفين العسكريين
بعد مرور شهر على وقف إطلاق النار لا جديد في حال معابر قطاع غزة
معبر رفح المصري: سؤال برسم المعاناة والكرامة الفلسطينية المجروحة
العدل مع الموظفين بايقاف علاوة القيادة التي امرتهم بالتوقف عن العمل
دعم الرئيس ( فرض ) وطني
لا تكن صائبا فقط بل وذكيّاً
أيعقل أن تكون داعش في كفة والعالم في الكفة الأخرى؟

الصورة التالية
الصورة السابقة
جميع الحقوق محفوظة لـ وكـالـة مـعـا الاخـبـاريـة © . 2005-2014