الكاتب: المستشار نايف الهشلمون الأيوبي
تعرضت منطقتنا خلال الأيام الماضية إلى موجة باردة جداً، بسبب هبوب الرياح القطبية أثناء المنخفض الماضي أدت إلى انجماد وصقيع شديدين، وتسببت بأضرار جسيمة في المشاريع والمحاصيل الزراعية، وخسائر قاتلة في الدفيئات وأرزاق المزارعين وخاصة في مناطق جنوب الضفة الغربية بشكل خاص.
مشهد أضرار هذه الدفيئات والحقول والمشاريع الزراعية مؤلم للغاية، أضرار تضاف لتراكمات الأضرار السابقة التي يعاني منها مزارعنا الفلسطيني، أمر يدمي القلوب، أصاب فئة تعمل ليل نهار بكل جهد وانتماء لتأمين لقمة العيش لأفراد عائلاتها، وتساهم بسد حاجة مجتمعنا من الغذاء البلدي. مزارعون يجاهدون في وجه تقلبات الطقس القاسية، ومختلف التحديات الصعبة والممارسات المعادية. وحيث لم يخلص هؤلاء من حصر خسائرهم جراء الرياح الشديدة التي هبت عليهم في المنطقة، حتى جاءت موجة صقيع شديدة أثرت في مختلف الحقول والدفيئات والمزارع.
معروف بأن الصقيع في فلسطين يتشكل عادة في فترات متفاوتة من العام، تمتد ما بين شهري تشرين الأول من فصل الخريف إلى شهر نيسان، ولكن أشده يتكون في شهري كانون الثاني وشباط، والذي اعتاد عليه المزارعون ويطلقون عليه "الصقيع الإشعاعي الساكن"، ويحدث عادة بعد المنخفضات الجوية، وخلاله الرياح تكون ساكنة، وتمتد فترته من ساعات الفجر حتى ساعات الصباح. و نوع آخر من الصقيع يطلق عليه "الصقيع الأبيض" ويتكون عادة بعد المنخفضات الثلجية، وأما النوع الذي شهدناه مؤخرا يطلق عليه "الصقيع الإشعاعي المتحرك"، ويعتبر من أقسى أنواع الصقيع وأشدها إضرارا بالمحاصيل، حيث جاء بعد موجة رياح شديدة. صقيع تشكّل طوال فترة الليل وحتى الصباح، ورافقته رياح باردة ومتحركة، وبالتالي كان تأثيره لفترة أطول على النبات، حيث تتجمد خلايا النباتات، وازداد حجمها وتفجرت، وبالتالي تلف النبات بأنواعه المختلفة.
التقديرات الأولية تشير بأن أكثر الأضرار قد أصابت محافظتي الخليل وبيت لحم، وألحقت بهما خسائر أكبر من غيرهما من المناطق، سواء أكانت دفيئات أم محاصيل مكشوفة، وتسببت بخسائر فادحة قد لا تعوض لدى البعض منهم. فموجة الصقيع التي شهدتها المنطقة خلال اليومين الماضيين لم تكن موجة صقيع معهودة، وتعتبر الأقوى والأقسى والأسوأ منذ سنوات طويلة، وغير معتادة للمواطنين والمزارعين، وحيث وصفت الأضرار التي حلت بالمزارعين بـ"الكارثية"، رغم تفاوت هذه الأضرار.
وكانت وزارة الزراعة ومديرياتها قد وجهت إرشادات للمزارعين والمواطنين لمساعدتهم في الحد من أضرار الصقيع، ومنها نصائح مواجهة تقليل فقد الحرارة في المحاصيل الزراعية والتربة، ومنها زيادة التدفئة عن طريق إغلاق البيت المحمي في الظهيرة لتخزين أكبر كمية من الحرارة، وإغلاقه ليلاً إغلاقا كاملاً، إضافة إلى إشعال مواقد من جفت الزيتون ونشارة الخشب داخل البيوت المحمية لتدفئة المحاصيل، وكذلك التسميد المعدني كونه يزيد تركيز العصارة داخل خلايا النبات، والري بالتنقيط داخل البيوت المحمية فقط ورشها. ارشادات عبر وسائل الإعلام المختلفة والرسائل النصية، للقيام ببعض الإجراءات وتدفئة المحاصيل لتقليل أضرار الصقيع عليها، لكن كان لا بد من حدوث أضرار، حيث من الصعب مقاومة عوامل الطبيعة هذه بشكل كامل، وربما لا يملك مزارعنا الامكانات اللازمة.
وزارة الزراعة وصندوق درء المخاطر والتأمينات الزراعية والمؤسسات المعنية، مطالبة بضرورة التحرك بشكل عاجل استجابة للكارثة التي حلت بالمزارعين، والإسراع لنجدتهم بكل السبل، ومعالجة الآثار الناجمة عن هذه المنخفضات والاحوال الجوية، التي تؤثر سلباً في موسم الزراعة الحالي، وربما المقبل، والمشاريع الزراعية.
ضروري سرعة تكاتف جهود الجميع ضمن برامج مسؤولة تسند المزارع، وخطط طوارئ فعّالة لمعالجة الأضرار والمشكلات المترتبة على تلف المحاصيل الزراعية، وتقديم العون الحقيقي للمزارعين، وتعزيز صمودهم فوق ارضهم.، والشروع بتعويضهم عما أصابهم، إضافة الى اصلاح الأضرار الناجمة ، مثل تمزيق وتلف الدفيئات الزراعية، والزراعات المكشوفة بأنواعها.
وضروري العمل سريعاً بحصر الأضرار وتوثيقها تمهيدا للتعويض، واتخاذ الخطوات اللازمة لحماية الموسم الزراعي لدينا. فالحاجة ماسة للتعويضات بشكل فوري وبمسؤولية. ونأمل عدم الاكتفاء بالتوثيق واعطاء مبررات العجز أو التقصير كما حصل سابقاً. نعم، ضروري العمل بجدية أكثر على تنفيذ آلية التامين الزراعي، وتفعيل العمل به، وتفعيل برنامج درء المخاطر يقوم على تطوير الحيازات الزراعية لمواجهة المخاطر.
وبالتأكيد، موجة الصقيع سوف تؤدي لفاقد كبير في المحاصيل الزراعية في بعض المناطق، وسوف يستشعره الجميع خلال الفترة المقبلة في الأسواق المحلية، ويلمسون ندرة في بعض الخضروات، وارتفاع أسعارها، ويتوقع أن تصل أسعار بعض أنواع الخضروات إلى الضعف. وربما لا يمكن حصر المحاصيل الأكثر تضررا، والملاحظ بأن الضرر قد أصاب مختلف المحاصيل الزراعية، مثل البندورة والخيار والكوسا والبطاطا، والأشتال بأنواعها كونها حساسة للصقيع، وأضرارا أقل في المحاصيل الورقية مثل الخس والملفوف والبقدونس والزهرة.
ولهذه تطالب الجهات المختصة أيضاً بمراقبة الأسعار في السوق المحلي، جراء النقص المتوقع في توفّر الخضار، والحيلولة دون استغلال بعض التجار الظرف المعاش لرفع الأسعار، وضمان وصول المنتجات للسوق المحلي بجودة، بعيدا عن الاستغلال او الاحتكار.
ونرجو رب العالمين بأن يعوّض مزارعينا خيرًا، ويبارك لهم فيما تبقى، ويرزقهم من حيث لا يحتسبون. صبرًا أيها المزارعون، فأنتم عماد أرضنا المباركة والخير في وطننا الحبيب.