الخميس: 27/02/2025 بتوقيت القدس الشريف

بَعدَ فشل مسار التسوية السياسية ، ماذا بَعدْ ؟

نشر بتاريخ: 27/02/2025 ( آخر تحديث: 27/02/2025 الساعة: 17:20 )

الكاتب:

مروان أميل طوباسي .

في ظل استمرار السياسات الأمريكية الداعمة والشريكة لإسرائيل ، تواصل حكومة الأحتلال نهجها القائم على العدوان والابادة والاقتلاع العرقي والتوسع الاستيطاني ، من خلال إعادة الأحتلال عبر دخول دباباته إلى مخيماتنا ومدننا بالضفة والتهديد بعودتها الى القطاع ، الامر الذي يريده نتنياهو ، متجاهلة كافة المساعي لوقف عدوانها ورفضها الواضح لتحقيق تسوية سياسية عادلة.

-- اسرائيل الكبرى وانكار الوجود الفلسطيني .

منذ اغتيال إسحاق رابين على يد متطرفيهم ، باتت إسرائيل كما كل حكوماتها السابقة من الليبرالية الصهيونية ، غير معنية بأي حل سياسي ، بل تبنت سياسات أكثر تطرفا تهدف إلى تكريس واقع الأحتلال الاستيطاني وترسيخ نظام الفصل العنصري وصولا الى محاولة تنفيذ مشروع اسرائيل الكبرى وشطب حل الدولتين وفق قراراتهم بالكنيست والوقائع الجارية على الأرض وعدائهم لمفهوم السلام اصلاً وبعدم قبول الآخر.

لكن هذا الواقع الاستعماري المتسارع من التطرف الإسرائيلي لم يعد يقتصر فقط على رفض الحقوق الفلسطينية ، بل امتد ليشمل إنكار الوجود الفلسطيني ذاته . التصريحات المتطرفة والعنصرية لمسؤولي الأحتلال ، جنبا إلى جنب مع القوانين العنصرية والممارسات الوحشية، تكشف عن مشروع إسرائيلي يستهدف القضاء على الهوية الوطنية الفلسطينية ، وتحويل الأراضي المحتلة إلى مناطق خاضعة لهيمنة إسرائيلية كاملة ببعدٍ توراتي ، وبدعم أمريكي واضح ومطلق .

لذلك باعتقادي ، وفي ظل الرؤية الاسرائيلية القائمة والتدخلات الأمريكية الشريكة ، يتوقع أن تشهد الضفة الغربية تحولات كبيرة نحو تقويض بل ومحاولة إنهاء السلطة الوطنية الفلسطينية ، وتشكيل سلطات "متجددة" خدماتية تحت إشراف أمني إسرائيلي- أمريكي بعيدا عن الرؤية الوطنية التحررية ، وتنفيذ ما يجري الترتيب له لقطاع غزة بعد تنفيذ الأشتراطات المتعلقة بحركة حماس المتعلقة بالحكم والسلاح .

-- إفشال مسار التسوية، ماذا بعد؟

منذ ثلاثة عقود، حاول الفلسطينيون تحقيق السلام عبر مختلف المسارات السياسية والاتفاقيات، لكن دولة الأحتلال قابلت هذه الجهود بالمزيد من الإرهاب والاستيطان والتنكر لما تم التوقيع عليه . لم يكن التراجع الفلسطيني ناتجا عن خيارات المقاومة التي هي حق لكل شعب تحت الاحتلال ، بل جاء نتيجة لتعنت إسرائيل وتنكرها للاتفاقيات الموقعة وسياستها القائمة على القوة وفرض الأمر الواقع . فكلما اقترب الفلسطينيون من خيار التسوية، زادت شراسة الأحتلال في استهداف الأرض والإنسان.

إن ما نواجهه اليوم من فشل في مسار التسوية السياسية يتطلب منا التفكر في استراتيجيات جديدة . فالارادة والعقل وثقافة المقاومة بمعانيها المختلفة والمتعددة الاشكال التي تحدث عنها الزعيم الخالد " أبا عمار" حول انها ليست بندقية ثائر فحسب ، هي السبيل لتحقيق الحرية ، ولنا في تجربة الانتفاضة الكبرى " انتفاضة الحجارة " نموذجا على ذلك في جعل الأحتلال مكلفاً . فالآٰمال لا تتحقق عبر الآلة العسكرية والمقاومة المسلحة فقط ، ولا من خلال مفاوضات ممتدة دون حماية وبيئة حاضنة ومساندة . بل من خلال المقاربات السياسية التي تعتمد على التفاوض والتحليل السليم للأوضاع الإقليمية والدولية واستخدام أوراق القوة بما فيها اشكال المقاومة المختلفة التي تقتضيها الظروف وحماية وصمود شعبنا ، لأن العالم لا يحترم الضعفاء .

--الخيارات الفلسطينية، نحو استراتيجية جديدة .

ليس بالضرورة أن تكون الحرب او العملية العسكرية للمقاومة الخيار الوحيد في ظل الاختلال الواضح في موازين القوى ، ولكن ايضا التعويل على إضعاف طرف فلسطيني لصالح آخر لن يخدم القضية بأي حال . إدارة الأزمة لا تكفي ، فالتفاوض يحتاج إلى حد أدنى من القوة أو امتلاك أوراق قوة وضغط ، سواء كانت سياسية أو شعبية أو قوة ناعمة . لا يمكن لشعب مُنقسم أو من يقبل بإضعاف جزء آخر منه أن يحقق مكاسب استراتيجية . فحتى أقرب الحلفاء لن يدافعوا عن طرف ضعيف ومنقسم على نفسه .

-- وحدة الصف الفلسطيني لم تعد مجرد خيار ، بل ضرورة وجودية .

الانقسام الداخلي الفلسطيني الذي حدث بالأصل من خلال الانقلاب الأسود ومن ثم استمر بفعل تغييب اشكال الديمقراطية الانتخابية ، رغم الوصول الى اتفاقيات لم تنفذ والتي كان اخرها في "بكين" ، لا يؤدي إلا إلى مزيد من التراجع ، بينما يعزز التكاتف والوحدة الوطنية لكافة مكونات شعبنا من قدرة الفلسطينيين على فرض معادلة جديدة . إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني على أسس صلبة وموحدة وديمقراطية أصبحت المهمة الأكثر إلحاحا اليوم ، لأن الأمل في مستقبل أفضل لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال وحدة الإرادة والعمل والشراكة بين كافة فئات مجتمعنا على قاعدة شركاء بالدم شركاء بالمصير . وعلينا أن ندرك جيدا أن هذه الوحدة يجب أن تكون مبنية على اوسعةقاعدة شعبية لا تقتصر على الفصائل فقط وعلى استراتيجية سياسية واضحة تراعي جميع الأطراف الفلسطينية من كل التوجهات الفكرية والتنظيمية والمستقلين والمجتمع المدني والشباب تحدييدا على قاعدة استقلالية القرار الوطني من جهة ، وأن الشعب هو مصدر السلطات وفق وثيقة اعلان الإستقلال الفلسطيني التي يتطلب تجسيدها اجراء الانتخابات العامة باقرب فرصة ممكنة من جهة اخرى ، ولأن الوحدة هي تعبير عن قواسم وطنية مشتركة ، وهي قاعدة الأنتصار كما كان يكرر الأخ مروان البرغوثي .

-- منظمة التحرير الفلسطينية ، تطوير الأداء لمواكبة التحديات .

في ظل هذه التحديات المتفاقمة، لا يمكن الحديث عن استراتيجية وطنية جديدة دون التطرق إلى دور منظمة التحرير الفلسطينية لمكانتها الدولية وباعتبارها صاحبة الولاية القانونية والسياسية على جغرافية الدولة الفلسطينية المحتلة من جهة ، وعن دور "فتح" تحديدا في ذلك كحركة تحرر وطني وعمود فقري للمنظمة من جهة اخرى . هناك نقاش واسع اليوم في الساحة الفلسطينية حول ضرورة تطوير أدائها مع الحفاظ عليها كممثل شرعي ووحيد لشعبنا الفلسطيني ، وهي المكانة التي لا يجادل بها اي وطني فلسطيني . ولكن هذا لا يعني الإبقاء على أدائها كما هو ، بل يتطلب تطويرا وتحديثا بما يتلاءم مع متطلبات المرحلة السياسية والمتغيرات الإقليمية والدولية الجارية وطبيعة مسار الزمن والتحولات الاجتماعية . وحدها هذه الخطوة وبضمان الحريات العامة وفق الانظمة والقوانين يمكنها تعزيز مكانة المنظمة بين أبناء شعبها اولاً ومواجهة فشل التسوية السياسية والبحث عن الخيارات الموضوعية والعقلانية الاخرى .

--التغيرات الإقليمية والدولية ، فرصة لتغيير البيئة السياسية .

اليوم نشهد في المنطقة تغيرات غير مسبوقة في السياسات الأمريكية تحت إدارة الرئيس ترامب، وما يطرحه من تصورات تؤجج الصراع في المنطقة وفقا لواقعيته الفوضوية السياسية ومبدأ أمريكيا اولاً ، حيث يبدو أن الفجوة بين الأطراف الدولية تزداد . علينا أن نكون واعين بما نملك من أوراق قوة يمكن استخدامها لتغيير المعادلات الدولية في المنطقة . فالدول العربية وامام قمتها المرتقبة بعد ايام بالقاهرة ، والتي تمتلك قدرة على تأمين خطوط التجارة العالمية، ومقدرات نفطية ضخمة، وعضوية فاعلة في المنظمات الإقليمية والدولية، تمتلك اوراق قوة أن ارادت استخدامها سيكون لها دور محوري في إعادة تشكيل البيئة السياسية التي تتفاعل مع ملف الأحتلال الاستيطاني الإسرائيلي وحقوق شعبنا . تعزيز هذا الدور ومواجهة سياسة الهيمنة الأمريكية ، وفحص رهانات الأطراف الدولية ، هو السبيل لتحديد الخطوات المستقبلية.

إذاً، فأن المسألة برمتها تدور بين محاولات التصفية وممكنات التسوية . وعلينا أن ندرك أن الصراع هو صراع إرادة سياسية وسردية رواية ورؤية ووجود وقدرة على الصمود ، وإذا توفرت الإرادة ، يمكن تأسيس أولى قواعد رواية سرديتنا ورؤيتنا الإستراتيجية التي من شأنها تحريك المياه الراكدة نحو الوصول الى الحق والحرية والعدالة .