الثلاثاء: 01/04/2025 بتوقيت القدس الشريف

الاحتجاجات في غزة: بين صرخة المعاناة وحسابات المرحلة

نشر بتاريخ: 29/03/2025 ( آخر تحديث: 29/03/2025 الساعة: 15:45 )

الكاتب: بسام زكارنه

تعيش غزة تحت حصار خانق منذ سنوات طويلة، وتتعرض لحروب متكررة ومدمرة تسببت في انهيار البنية التحتية، وتفاقم معدلات الفقر والبطالة، وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية ، ووفقاً لتقارير الأمم المتحدة، فإن أكثر من 80% من سكان غزة يعتمدون على المساعدات الإنسانية، بينما وصلت معدلات البطالة إلى 46.6% في عام 2024، وهي من أعلى المعدلات عالمياً.

لكن الحرب الحالية تجاوزت كل الحروب السابقة، حيث استشهد أكثر من 52,000 فلسطيني، معظمهم من النساء والأطفال، وتم تشريد أكثر من 1.7 مليون شخص، وتدمير عشرات الآلاف من المنازل، إضافة إلى المجازر التي استهدفت تجمعات المدنيين في خيام اللاجئين والمستشفيات والمخابز والأسواق.

وفي ظل هذا الوضع الكارثي، خرجت احتجاجات في غزة تعبر عن الألم والمعاناة، مطالبةً بتأمين حياة كريمة، ووقف الحرب المستمرة، ورفع الحصار، وتحسين الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والصحة والتعليم ، ولكن السؤال المطروح: هل يمكن فصل هذه الاحتجاجات عن الواقع السياسي المعقد في غزة؟

إسرائيل فشلت في تأليب الشارع الغزاوي ضد المقاومة

منذ بداية الحرب، اعتمد الاحتلال الإسرائيلي على سياسة العقاب الجماعي من خلال القصف المكثف للعائلات، واستهداف مخيمات اللاجئين والتجمعات المدنية، وفرض حصار خانق يمنع وصول المساعدات الغذائية والطبية ، كل هذه الجرائم كانت تهدف إلى دفع سكان غزة للانقلاب على المقاومة، لكن الواقع أثبت أن هذه الاستراتيجية فشلت فشلًا ذريعاً .

مواطني غزة صبروا وصابروا رغم فقدانهم لكل شيء، ويدركون أن الاحتلال يسعى لكسر إرادتهم ، هذا ما أكده بنيامين نتنياهو مراراً عندما صرّح بوضوح: “عليكم بهم حتى تعيشوا حياة أفضل.” أي أن الاحتلال يطلب من سكان غزة التبرؤ من المقاومة مقابل بعض الفتات، لكن الشعب الفلسطيني أثبت مرة أخرى أن الكرامة لا تُباع، وأن الصمود أقوى من القنابل.

وفي هذا السياق لا يحق لأحد أن يمنع المواطنين من التعبير عن رأيهم أو أن يتهمهم بالعمالة، خاصة في ظل هذا الوضع الكارثي الذي لم يشهد له التاريخ مثيلاً ، إن التعبير عن الرأي حق مشروع بل هو جزء من الصمود ولا يجب أن يُستغل لإضعاف وحدة الصف الفلسطيني.

الاحتجاجات بين الحقوق والتحديات

الاحتجاجات في غزة ليست موجهة ضد المقاومة كفكرة، بل تعبر عن صرخة شعبية تطالب بالحفاظ على من تبقى أحياء بعد حرب الإبادة، ورفع الحصار، وتأمين حياة كريمة للمدنيين الذين يعانون من ظروف قاسية ، الاحتجاجات هي صرخة ضد ممارسات الاحتلال وإجرامه، وصرخة للعالم الصامت، وضد الصمت العربي والإسلامي، ونداء لأحرار العالم للمساعدة والمساندة.

في تاريخ الثورات، تبدأ الاحتجاجات عادةً بمطالب اجتماعية واقتصادية، لكنها قد تتحول إلى مطالب سياسية إذا لم يتم الاستجابة لها ، لذلك فإن تعامل المقاومة والفصائل مع هذه الأصوات بطريقة إيجابية سيحافظ على وحدة الصف الفلسطيني ويمنع أي محاولات لاختراق النسيج الداخلي للمجتمع بينما التعامل السلبي معها قد يؤدي إلى نتائج عكسية.

يقال: “السفينة لا تغرق بسبب الماء الذي يحيط بها بل بسبب الماء الذي يتسرب إلى داخلها ” هذا المثل ينطبق على العديد من الثورات والحركات في التاريخ حيث لا تكون الهزيمة ناتجة فقط عن الأعداء الخارجيين بل عن الأزمات الداخلية والاختراقات التي قد تضعف الصفوف ، لذلك من الضروري عدم السماح لأي جهة باستغلال هذه الاحتجاجات لإحداث شرخ داخلي يخدم الاحتلال وأجنداته.

الوحدة الفلسطينية: ضرورة وليست خياراً

الاحتلال يحاول دائمًا تحويل الصراع معه إلى مشكلة تخص غزة فقط، في حين أن القضية الفلسطينية أكبر من غزة وأكبر من أي فصيل بعينه ، المطلوب الآن من الفلسطينيين تجاوز نقاط الخلاف والعمل على وحدة وطنية حقيقية لتحقيق الهدف المشترك: الحرية والاستقلال للشعب الفلسطيني.

يقال في فن الحرب للفيلسوف الصيني صن تزو:
“أعظم الانتصارات هي تلك التي تتحقق دون قتال، عبر اختراق صفوف العدو وزرع الشكوك والانقسامات داخله.”

في هذا السياق، لا يجب أن يُنظر إلى الاحتجاجات في غزة على أنها هجوم على المقاومة، بل كفرصة للتغيير والتحسين، بشرط أن يتمكن الجميع من الوقوف صفاً واحداً في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.

الاحتجاجات: بين الخطر والفرصة

الاحتجاجات في غزة هي صرخة معاناة، لكنها أيضاً فرصة لإحداث تغيير إيجابي إذا تمكنت الفصائل الفلسطينية من العمل على:
1. تحسين الظروف المعيشية عبر مشاريع تنموية وإغاثية.
2. تعزيز الشفافية ومحاربة الفساد لضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها.
3. إطلاق مشاريع اقتصادية محلية لتقليل الاعتماد على الاحتلال في تأمين المواد الأساسية.
4. تعزيز الوحدة الوطنية من خلال خطاب وطني جامع لا يُقصي أي طرف.

فإن ذلك سيساهم في تقوية الجبهة الداخلية والحفاظ على المقاومة كخط الدفاع الأول في وجه الاحتلال.

غزة بحاجة إلى رؤية وطنية موحدة تجمع بين حماية المقاومة وتحسين حياة المواطنين، لأن أحدهما لا يجب أن يكون على حساب الآخر ، إن إنهاء الاحتلال هو الحل الجذري لكل هذه الأزمات، لكن في الوقت ذاته لا بد من العمل على تحسين الواقع المعيشي للناس، حتى لا تكون معركتهم على البقاء أصعب من معركتهم ضد الاحتلال.

كما قال أحد سكان غزة الذين فقدوا كل شيء في الحرب الأخيرة:
“نحن لا نخشى الموت، لكننا نحلم أن نعيش يومًا واحدًا دون خوف، دون جوع، ودون حرب.”