وكـالـة مـعـا الاخـبـارية

د. نبيل الجعبري... الفارس الذي ترجّل

نشر بتاريخ: 28/02/2025 ( آخر تحديث: 28/02/2025 الساعة: 09:21 )
د. نبيل الجعبري... الفارس الذي ترجّل

د. صلاح الزرو التميمي / الرئيس السابق لجامعة الخليل وعضو المجلس الوطني الفلسطيني
رحل د. نبيل الجعبري رئيس مجلس أمناء جامعة الخليل أول أمس، وفاضت روحه إلى بارئها، بعد حياة حافلة بالعطاء والنضال. ولمّا كنت من الذين أُتيح لهم العمل تحت قيادته المباشرة لمدة ست سنواتـ، والأمانة تقتضي أن نُنزل الناس منازلهم، وأن نعترف لأهل الفضل بفضلهم، فقد ارتأيت أن أشير إلى بعض الومضات اللافتة في حياة هذا الرجل وفاء لذكراه، وعبرة لمن خلفه.
يسجل للرجل أنه كان مدرسة في الإدارة وفنونها، بمنهج وسطي حازم أحيانا ومتسامح غالبا، فكان كالماس في نعومته وصلابته. قامة كبيرة اعتلت سرج مجلس أمناء الجامعة، وقادته بحكمة واقتدار لأكثر من أربعة عقود في ظروف عصيبة جدا، وقد نجح بذكائه الشديد في تجنيب الجامعة مخاطر وآثار الأزمات التي كانت تعصف بين الحين والأخر، فكان كمن يمشي بها بين حبات المطر. ولئن سجل التاريخ أن والده الراحل هو مؤسس الجامعة كأول مؤسسة للتعليم العالي في فلسطين، فإن التاريخ سيسجل له بأحرف من نور أنه كان باني الجامعة دون منازع، كيف لا وقد تطورت في عهده من جامعة بثلاث كليات وبضع مئات من الطلبة، إلى جامعة بثلاث عشرة كلية لأكثر من عشرة آلاف طالب ينهلون من علومها في أكثر من مائة تخصص أكاديمي وتطبيقي بمستويات التعليم الأربعة.
ويسجل للرجل أنه كان حريصا جدا على استقلالية الجامعة، وعلى منعتها المالية، وكان يفخر بذلك وحق له أن يفخر، بعد أن أضحت الجامعة وعبر تاريخها الطويل قوية الأركان، راسخة الجذور، عصية على الانطواء تحت جناح أحد، فكانت منارة علم تفتح ذراعيها لجميع الطلبة والعاملين على اختلاف مشاربهم وأطيافهم، متطلعة الى بناء شخوصهم وصقلها بالمهارات والخبرات، والتاريخ يشهد كيف خرّجت الجامعة قيادات ورموزاً أبلوا بلاءً حسنا - وما زالوا – في ميادين العمل الوطني والعام.
ويسجل للرجل أنه رجل الشعب لا القبيلة، لم يكن الرجل يؤمن بالعصبية القبلية، وقد كانت متاحة له، فنأى بها جانبا، وخفّض من سقفها إلى حدها الأدنى. لم يكن فئويا أو مذهبيا أو طائفيا. كان مؤمنا أن التمييز المكاني أو الجنسي أو الفئوي لا يبني أمة، ولا يحمي وطنا، وأن وحدة الوطن والشعب ممكنة رغم واقعهما الممزق، فبادر إلى فتح أبواب الجامعة على مصراعيها أمام الداخل الفلسطيني. وآلمه كثيرا الانقسام الفلسطيني فدعا بقوة إلى إنهائه، وكان دائما صوتا عقلانيا وازناً في الأزمات التي ما انفكت تعصف بالوطن صباح مساء.
ويسجل للرجل أنه كان نصيرا كبيرا للمرأة، عالمة كانت أم متعلمة، فشملها برعايته ومؤازرته، وقد تجلى ذلك في العدد الكبير من العاملات والطالبات في الجامعة، كان يؤمن أن تحصين المرأة بالعلم وتمكينها بالعمل، شرط رئيس للاستقرار الأسري، والتنمية الشاملة، والبناء الاجتماعي.
رحل د. نبيل الجعبري، أو كما قال الشاعر:

مضى لسبيله لم يُعط ضيْما

ولم تَرهب غوائلُهُ الأدَاني
أما جامعة الخليل فقد أقلعت، وشبّت عن الطوق، والأمل معقود أن تبقى وفية لإرثه وذكراه، كشجرةٍ طيبةٍ أصلها ثابتٌ وفرعها في السماء، تُؤتي أُكُلَها كل حين بإذن ربِها.