محمد الحوراني؛ المايسترو في حفل البراءة
نشر بتاريخ: 26/03/2025 ( آخر تحديث: 26/03/2025 الساعة: 08:45 )
المتوكل طه
البهيّ،أو الصوفيّ الذي أطعمنا من خبز قلبه،وكان السجن جميلا معه!إذا غنّى صار الليلُ نهاريّاً،يذوب على الخيام،ويتراءى مثل عباءة النبيّ خلف السياج.إن تحدّث امتلأت أحلامُنا بالمدائن الحرّة الذهبية.هو المُصاب بالليل،لأنه ينتظر النهار.الودود مثل جدّة،السلس مثل الماء،والماطر كأنه غابة ساخنة..ونحبّه.
لقد رحل الحوراني،نسبيا،لأنه سيبقى في الحكايا نموذجا ساطعا،وفي السّهل المُمتنع،كلّما ارتجّت اللغة،واحتاجت القبيلة إلى خطيبٍ مُحبٍّ حصيف.
الوطني المبرّأ الصافي،المنتمي إلى حد السحر،المتحدث بلباقة عارفة،المستمع المبتسم دون سوء.كانت روحه من عسلٍ برّي،مبهج ونقي ومتدفّق،بفؤادٍ من ضوء وندى.وهو أحد جوائز فلسطين للحركة الوطنية،وخاصة لحركة فتح التي تماهى بها ومعها،بإدراك وشغف وعمق.
صاحب حضورٍ رنّان،وهيبة لا تخفى على الغريب،بثقافةٍ تنداحُ بساطةً كافية لبلوغ الفكرة،دون ادّعاء بعض السّاسة،وثرثرة أنصاف المثقّفين.
تحبّه الأماكن والطيور،وتأنس به اللّمّاتُ والسهرات.كان ينبغي له أن يكون شاعراً أو مُلحّناً أو سينمائياً،ممسوساً بسنبلةِ الينابيع ونوّار النهار،لكنه وقع في شُبهةِ النهر السياسي،الذي أغرق الكثير من المواهب والأصوات،وجرّها إلى الزائل والطائش والعمليّ،وامتصّ ريقهم الطاهر وفيء شجر الحور،وما نبت عليه من كلام وحرير،ورماهم في بئر المشاحنات والتجاذبات والمصالح.وكان له أن يلبس دُرّاعة الصوف في خشوع الأديرة،أو ينفض إثمدَ الحبر كلّما هبطت آيةٌ من نور على ورق يافع نظيف.ومع هذا؛لم يبرأ أبو راكان من الناي وعروق الوتر المُلتاع.وآثر الاصطفاف مع عقل الواقع الذي ما فتئ يبحث عن رأسه بين المجنزرات والحيطان الكابية وصرخات الصغار والمفرومين بالأخاديد والمقابر الجماعية،وباليُتم والسغب والشجر المخلوع عن مُلْكِه الأبدي.كان صديقي محمد الحوراني،مثل كلّ الثوّار والمبدعين،يحبّ سبارتاكوس ومانديلا وجيفارا وعرفات!ولطالما ردّد:لقد قال سبارتاكوس،وهو يرى الأنشوطة تتأرجح أمام عُنقه:إطلقوا حصاني في البراري،فسيجده طفلٌ سيعتليه،ويدخل روما بمشاعل حرّة..عّما قريب.ويضيف:ربما يجب أن أشير،إلى أن أصدقاء اسبارتاكوس أحضروا له ذاك الحصان هديةً،وقالوا له إنه حصان مَلك! فقال:لا أُريده،لأنني أفضل من مَلك..أنا رجل حُرّ.والحوراني رجلٌ حرّ بامتياز.
أبو راكان الجميل الفوّاح المضيء،الذي جعل المعتقل مسرحا للعقل والغناء،ضمن توليفة،تبدو مفارقةً،لكنه جعلها تتضافر وتسطع بالمكوّنين.
وأراه في المعتقل،ينظر في الأفق ويقول:أيتها الأرض المخفوقة،كالمُغْتَصبة!لقد ترك الدم والفجائع بحيرات من نجيعٍ لم يتخثّر،وأسراباً من شواهد مقصوفةً،للرضّع والطيور.وربما سنبحث من جديد عن جدوى الحجارة المُسننّة،لأننا سنرسم، ثانيةً،على جدران المغارة الوحشَ والسهم البسيط،وسنبكى من الوحشة والندم،ونكتب على الريح ما لا تحمله إلى الغد،لأنه لن يكون هناك غدٌ أو حروف،ما دامت هناك مصلحة تُزكّي القاتل،وتملّكه بعض ترابنا.
أبو راكان قائدٌ لا يزاحم أخوته،فلم تصطدم كتفاه مع أحدٍ من العائلة الوطنية.باشقٌ جريء جسور،بعيداً عن المجانية والمراءاة والشعبوية..لهذا استطاع أن يكون حالة وطنية تنفتح على كل الآراء والاجتهادات،دون نزقٍ أو تشاوفٍ أو ارتكاس.
لطيف كأنه فَراشة القلب التي تدفّ على فنجان النابض،بِطاقَته الإيجابيّة الفيّاضة.
لم ينكسر له لسانٌ لأنه ماويٌّ المعرفة والإنسانية،ويمتلك اللغة الذاهبة إلى غايتها مثل سهم الضوء،ولا يترك للعتمة حجّة أو مرافعة،دون أن يغمط المختلِف حقّه في المساحة المبذولة.
وأعتقد أن أبا راكان لم يحتمل مشاهد الإبادة والرّعب المفزع والإفناء والإلغاء والتدمير الجغرافي والسياسي،والتخاذل الذي يسمح بكل هذه الخسارات المهولة والأشلاء والرّدم..فاحتشد قلبه بالأسف والغضب،فانعطب صدره وناء بالأوجاع،كأنه يتقاسمها مع النازحين والمصابين من الأحياء الأموات.
ربما غاب،أو تماوت،أو بقي ظلّه في الطرقات،أو على وسادة السحاب،لكن الأكيد أنه كان ذا قامة وقوام وطنيٍ،وبعلوِّ كرامته المصانة.باختصار؛أبو راكان زفّةُ طيور،في ربيعٍ دافيء،وفي برٍّ مفتوحٍ على أشجار وسحاب..وثمة موسيقى جريئة تنتظره وراء الشفق.
رحل أبو راكان،لكن كفيه تفيضان بالماء المُشعّ الريّان.
لا تملك إلا أن تُحبّه،وتصرّ على صحبته،وتتواصل معه.متسامح إلى درجة تشعرك بالحرج، ويربت على كتف معاكسيه،كأنّ يده جناح ملاك.فرحك فرحه،ولا يتركك ساعة الحزن والشجن.
قبل شهورٍ،شرّفني بأن أقوم مقامه وأُعطي ابنته الكريمة لأهل خطيبها.فأي شرف وتكريم!وللصدفة الطيّبة،أيضا،قمتُ منذ سنوات بطلب يد كريمته الكبرى لابن صديق كريم..لقد جمعتنا الأعراس الدامعة،لكنّا كلّما التقينا نستعيد تلك الأيام القاسية والجميلة في المعتقل،وَلَكَم ترنّمنا مع حسّه،بإيقاعات تلك الليالي النهارية،واللحظات التي اختلطت بها الدموع مع الضحكات المجروحة،ورحنا نسأل عن الرفاق ومصائر أبطال التراجيديا الثقيلة..ونكاد نبكي حسرة على ما آلت إليه الأمور.
رحل أبو راكان مثل كلّ الأشياء التي نحبّها،وترحل!لكن وصيّته أشارت إلى ضرورة أن ينتصرَ الحقُّ فينا على كل مفردةٍ سوداء..وسننتصر،إن شاء الله تعالى،لينام،ويواصل حلمه وهو يقود الأوتار،في حفل البراءة الآتي.